‏إظهار الرسائل ذات التسميات لا نأسف على الإزعاج. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لا نأسف على الإزعاج. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

برنامج #لا_نأسف_على_الإزعاج | الحلقة السادسة



بسم الله الرحمن الرحيم
- لا نأسف على الإزعاج -
*الحلقة السادسة :-
عنوان الحلقة : ‫#‏الخروج_من_بطن_الحوت‬
.
.
قصص الأنبياء في القرآن الكريم لا تشبه في شيء حكايات ما قبل النوم !
رغم أنّنا كثيراً ما نتعامل معها على أنّها كذلك .. 
على العكس .. قصص الأنبياء يجب أن تجعلنا ننهض , نستيقظ , تطرد النوم من عيوننا .. 
كان لقصص الأنبياء دوماً هذا الدّور .. و لكن بالنسبة لرسول الله –صلى الله عليه وسلّم- فقد كانت أيضاً تُحَدِّثهُ عن مَن سبقه من الأنبياء .. كانت تختصر له التجربة ..
و هذا يجعلنا نسأل : مَن هو أول نبيّ نزلت قصّته على رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- ؟
بعبارة أخرى : مَن هو أول نبيّ ذُكِرت قصّته في القرآن الكريم حسب ترتيب النّزول ؟
هل هو سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء , و الذي سمّانا "مسلمين" , و الذي تنتمي له كل الديانات التّوحيديّة ؟ 
لا , رغم هذه المكانة .. لم يكن هو !
هل هو سيدنا موسى كليم الله , و الذي تحتل قصّته مع قومه و مع فرعون مساحة واسعة من القرآن الكريم ؟ 
لا ..
هل هو سيدنا عيسى صاحب الرسالة السماوية الأقرب زمنياً للرسالة الخاتمة ؟
لا ..
هل هو سيدنا نوح , الذي أنقذ البشرية من طوفان ذنوبها ؟
لا .. لم يبدأ القرآن بقصّة صاحب السفينة .. 
- بل بدأَ و يا للعجب بقصة صاحب الحوت !
" فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ "
هذه الآية هي من سورة القلم .. و هي ثاني ما أنزل من القرآن الكريم بعد سورة العلق ..
نحن إذاً في مرحلة مبكرة جداً من نزول القرآن الكريم و من الدعوة .. نحن غالباً في " سنة أولى دعوة " ..
لكن لا بد أن هناك شيئاً ما في قصة سيدنا يونس عليه السلام يجعل هذه القصة هي أول ما تنزل من قصص الأنبياء في القرآن الكريم !
كيف قَدَّمَ القرآن الكريم قصة صاحب الحوت ؟
لا يذكر القرآن قصّة سيدنا يونس إلا في ثلاثة مواضع : ( سورة القلم , سورة الصّافات , سورة الأنبياء ) ..
كل هذه المواضع تشترك في أنّها تتحدث عن القصة بعد خروج يونس من قريته .. كما لو أنّ المميز في قصة سيدنا يونس هو هذا " الخروج" !
كما لو أنّ العلامة الفارقة .. في هذا الخروج من القرية , أو في سبب الخروج ..
خرج بعض الأنبياء من قُراهم .. خرج إبراهيم , لوط , موسى , محمد .. - عليهم الصلاة و السلام أجمعين - .. 
لكن خروجهم كان مختلفاً . . لقد خرجوا بعدَ أن استُنفِدَت أساليب الدّعوة ! .. و خرجوا بوحيٍ من الله عزّ و جلّ .. 
مع سيدنا يونس .. كان الأمر مختلفاً ؛ لم تكن أساليب الدّعوة قد استُنفِدَت , و لم يكن هناك وحي للخروج ..
لقد خرج يونس غاضباً .. وصفهُ القرآن أنّه " ذَهَبَ مُغَاضِبَاً " .. مِمَّ ؟ 
من قومة لأنهم لم يسمعوه ؟ , من نفسه لأنه لم يجعلهم يسمعوه ؟ لا نعرف .. 
لكن في لحظةٍ صعبةٍ مُرَّةٍ .. تَصوَّرَ يونس أن لا أمل في قومه , تصوَّرَ أنه لا يمكن أن يغير شيئاً فيهم !
القرية التي خرج منها سيدنا يونس لم تكن أيَّ قرية .. لقد كانت " نينوى" ؛ عاصمة الحضارة الآشوريّة .. و هي المُوصل ؛ المدينة العميقة العريقة ..
كانت نينوى بالنسبة للعالم القديم مثل "نيويورك " أو " طوكيو " أو "باريس" .. في عالم اليوم ..
أمام نينوى و جبروتها و ثيرانها المُجنحة الشهيرة و جيوشها التي وصلت كل مكان .. وقف يونس و هو يسأل : ماذا بوسع رجل واحد أن يفعل أمام مدينة بأكملها , و مدينة مثل نينوى ؟
خرج يونس غاضباً من كل هذا , ركب البحر .. ربما ليبدأ بداية جديدة في مكان أيسر ..
لكن ما ترك مواجهته في نينوى .. ذهب ليطارده في عرض البحر !
هبّت عاصفة هوجاء .. و تصورَ الركاب بعقليتهم الوثنية أنّ آلهة البحر غاضبة من أحد الركاب و يجب أن يتم التخلص من هذا الراكب ..
كيف سيُحَدَّد ؟ بالقرعة .. و من دون كل الركاب وقف الاقتراع عند يونس !
أُلقِيَ في البحر .. و هناك ابتلعه الحوت .. 
في بطن الحوت , في الظلمة .. بزغَ النّور من فهمٍ جديد .. لقد فهم يونس الدّرس ؛ أنّك إن لم تواجه القيم السلبية فإنها ستطاردك في كل الأحوال !
ترك يونس المواجهة في نينوى لكنّه وجد نفسه في مواجهة نفس ما واجهه في عرض البحر .. 
في بطن الحوت ؛ في الظلمة .. بزغ الفهم ! .. بزغَ النّور من هذا الفهم .. و اتَّخَذَ شكل التسبيحة الشهيرة : " لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ " ..
هكذا قال يونس .. 
" أنت من الظالمين يا يونس ؟ أنت مظلوم .. لقد ألقوا بك في البحر بعد قرعة ظالمة ! "
لكن لا .. لقد تغير معنى الظلم بالنسبة ليونس !
الظلم : هو أن تترك دورك , أن لا تؤدي ما يجب أن تؤدّيه !
للظلم أشكال متعددة .. لكن أقسى و أقصى ظلم يمكن أن يحدث ؛ يبدأ من شخص ما ترك أداء دورهُ !
كيف يمكن ربط هذا كله ببداية الدعوة و بداية نزول القرآن في مكة ؟
الربط واضح .. مكة و خلفها قبائل العرب , و الكعبة و فيها من الأوثان بعدد أيام السنة ! , و القيم السلبية ؛ الجهل , التواكل , الوثنية .. كلها كان يمكن أن تجعل الرسول عليه الصلاة و السلام يقول : ماذا بوسع رجل واحد أن يفعل !
تذكرون عندما ذهب رسول الله إلى الطائف كيف تلقّاه أهلها ؟ بالحجارة , و بالسخرية التي هي أشد من الحجارة ..
يومها .. انسحب رسول الله إلى ظل بستانٍ ليستريح مما لاقاه من أهل الطائف .. 
فجاءهُ خادم نصراني اسمه " عدّاس " بقطفة عنب , فسأله رسول الله : من أين أنتَ ؟
فقال عدّاس : من نينوى ..
فقال رسول الله : من قرية الرّجل الصالح يونس بن متّى ؟
كما لو أنّ عدّاس قد جاء في هذا الوقت ليذكّر رسول الله بقصّة صاحب الحوت , بـ لا تكن كصاحب الحوت , بـ الأمل رغم كل المصاعب !
ماذا عنك يا صديق ؟
هل ستقول : ما علاقتي أنا بقصّة صاحب الحوت ؟ 
هل تعتقد أنها مجرد حدوتة و انتهت ؟
لا يا صديق .. قصص القرآن لا تنتهي أبداً .. 
دوماً .. ثمةَ حوت يتربص بك .. ليس بالضرورة في عرض البحر ..
بل في طول و عرض و عمق الحياة !
في كل مفترق طرق .. ثمّةَ حوت يتربص بك !
يريد أن يسحبكَ .. أن يبتلعك مثل ثقب أسود عملاق ! 
له أسماء متعددة بطن الحوت هذا ؛ أحياناً اليأس , السلبية , الكسل , الاستسلام , البطالة , التطرف , الـ لا شيء !
أن لا تفعل شيئاً بحياتك في حياتك لحياتك !
أن تأتي هذا الكوكب و تغادره دون أن تترك بصمةً واحدة !
إيّاكَ .. أن تكون سمكة داخل بطن حوت ..
لا يشترط أن يكون بطن الحوت هذا مظلماً .. ربما كان مبهرجاً بألوان برّاقة .. و أنت سعيد لكونكَ سمكة داخل بطن حوت مبهرج !
إيّاكَ .. أن تكون سمكة زينة .. أو " سردينة بشرية " داخل بطن حوت !
إيّاكَ أن تموت قبل أن تَمُتْ !
لا تترك حوتك يبتلعكَ .. 
لديكَ خيار أن تساهم في صنع السفينة ! 
فلماذا تذهب .. إلى بطن الحوت يا صديق ؟

الجمعة، 11 سبتمبر 2015

برنامج #لا_نأسف_على_الإزعاج | الحلقة الخامسة



بسم الله الرحمن الرحيم
- لا نأسف على الإزعاج -
*الحلقة الخامسة :-
عنوان الحلقة : ‫#‏كُن_أفضل_الصورة_تطلع_حلوة‬!
.
.
تخيّلوا معي ..
سلعةً أو منتجاً ما , سيارة مثلاً ؛ تصنعها واحدة من أهم الشركات التي ساهمت في بدء صناعة السيارات ..
فلنتخيل أن مستوى صناعة هذه السيارة أخذ يتدهور بالتدريج , و أنّها صارت خارج المنافسة ؛ تصميمها لم يعد جذّاباً , سرعتها لم تزد , لم تطرأ عليها أيّةُ تحديثات .. و كذلك حتّى مواصفاتها الأصلية أخذت تتدهور .. مواصفات الأمان فيها أصبحت سيئة للغاية , حوادثها كثيرة , و قاتلة أيضاً !
قبل أن تعلن هذه الشركة إفلاسها ستكون أنت قد شطبتها من أي شراء محتمَل ! .. وكذلك سيفعل الكثيرون ..
سيأتي من يدافع عن هذه الشركة .. و يذكّركَ بفضلها على صناعة السيارات , سيقول لك : أن هذه الشركة رائدة و مهمة , و أن المشكلة ربما كانت في قسم التصميم أو قسم الأبحاث و التطوير أو في القائمين عليها ..
حسناً .. الشركة كانت عظيمة ! .. و خَلَفَ بعدها خَلْفٌ أضاعوا الجودة .. و انتهينا ...
التاريخ موجود في المتحف !
و السلعة الحالية سيئة .. و لا شيء سيغيّر رأينا في هذا !
و بالنسبة لمن لا يعرف شيئاً عن تاريخ هذه الشركة فهو لن يهتم بالبحث في أرشيفها ..
السلعة الحالية سيئة .. انتهينا ...
تخيّلوا الآن أنّنا لا نتحدّث عن سلعة مادية ..
بل عن سلعة غير مادية ؛ عن إنسان هو في النهاية نتاج لثقافة .. لحضارة ..
لا نتحدّث هنا عن نموذج فردي .. بل عن النموذج الشائع الممثّل لهذه الحضارة ..
ماذا لو كان النموذج الشائع سيئاً مثل تلك السيارة التي تحدّثنا عنها – و لكن كإنسان - ؟
الناس سيربطون بين سلبيات هذا النموذج و بين الحضارة أو الثقافة التي أنتجته !
سيَرَون سلبياته , قلة انتاجه , بطالته , عدم احترامه للوقت و العمل .. و سيربطون بينها و بين الحضارة التي أنتجته ..
سيقولون : لا بد أن هناك شيئاً ما في هذه الثقافة يجعل النموذج الشائع هكذا !
سيأتي من يدافع عن هذه الثقافة .. كما أتى من دافع عن شركة السيارات .. سيقول : أن هذه الحضارة التي أنتجت هذا الشخص كان لها تاريخٌ عظيمٌ , و أنّها صاحبة فضل على البشرية ..
حسناً .. أغلب الناس لن يكترثوا لذلك ! .. هم يتعاملون مع نموذج حالي ..
نعم .. البعض سيهتم في البحث في كتب التاريخ عن فضائل و أفضال هذه الحضارة ... و لكن أغلب الناس سيتعاملون مع النموذج الحالي ..
نتحدّث هنا عن الإسلام كَثقافة .. كحضارة ..
و عن المسلمين .. حالياً .. النسخة الحالية من نتاج هذه الثقافة ..
علينا أن نعترف : نحن سيئون جداً ..
سيأتي من يتحدّث عن الاستعمار و المؤامرة و المبالغات الإعلامية .. الخ
طيب .. كل هذا صحيح ..
نحن سيئون و نحن من نتحمّل مسؤولية ذلك !
نحن سيئون بالمقارنة مع القيم الأصلية لثقافتنا .. و أيضاً نحن سيئون بالمُطلَق ؛ عندما نُقارَن بأي قيم أخرى !
نحن سيئون حالياً .. علينا أن نعترف بذلك ..
مهما تحدّثتَ للغربيين مثلاً عن عظمة الإسلام و عظمة قِيَمِهِ و عظمة أخلاق نبيّهِ عليه الصلاة و السلام .. إذاً عليكَ أن تستعد لسؤال محرج !
ما دام دينكم عظيماً هكذا .. فلماذا أنتم هكذا ؟
هناك من سيبحث في الكتب و يفصل النسخة السيئة الأخيرة من المسلمين عن الإسلام . و ربما يُشهر إسلامهُ .. هؤلاء يُسلمون بالرغم من مساوِئِنا ,يسلمون بالرغم منّا و ليس بسببنا !
على العكس مما يجب أن يحدث ..
" رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
للأسف ..
هذه الآية تكاد تُفَصِّل وضعنا بالضبط !
هذا النموذج السيِّئ السلبي المنتشر ؛ الأكثر شيوعاً .. لن نُحاسب عليه كأفراد فقط , بل سنُحاسَب أيضاً على أن هذا النموذج يدفع الناس الآخرين بعيداً عن الإسلام !
سينظرون إلينا ... إلى كل سلبياتنا .. إلى النموذج الأكثر شيوعاً .. و سَيَرَونَ أنّنا في ذيل الأمم في كل شيء .. سيربطون بين هذا الوضع و بين الإسلام ..
سينظرون إلينا و يقولون في أنفسهم أو بصوتٍ عالٍ , أنّهم على الصّواب !
ربما يكونون ملحدين , أو غير مؤمنين بأي دين .. و سيتصوّرون أن الوضع السلبي الذي نحن فيه مرتبط بالإسلام ..
سيجعلهم هذا يثبتون على ما هم فيه ... و سيجعلنا فتنةً للذين كفروا !
نغضب عندما يُسيءُ البعض للرسول عليه الصلاة و السلام .. من حقّنا أن نغضب ..
لكـن من حقّه علينا أن نعترف أننا كثيراً ما ساهمنا في هذه الإساءة !
من حقّه علينا أن نعترف أنّ وضعنا السلبي ساهَمَ في هذه الإساءة !
نعم ... البعض سيبقى مُعادياً للرسول عليه الصلاة والسلام .. هذا جزء من مهمة النبوة .. مهما كانت النسخة جيدة !
لكن هذا لا يجب أن يكون حجة لكي نقدم الأعذار لكل من يريد الإساءة ..
" و هذا ما نفعله حالياً ! "
الصورة المسيئة التي نقدمها تساهم في الإساءة للرسول عليه الصلاة والسلام ..
و في عالم آخر مختلف تماماً .. ستكون هناك آية أخرى تعبر عن هذه العلاقة :
" رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ "
في عالم آخر ... سيوَدُّ كل الناس لو أنّهم كانوا مسلمين ..
متى ؟
عندما يكون النموذج الشائع معبراً حقاً عن قيم الإسلام , منتجاً , دقيقاً , متقناً لعمله , محترماً للآخرين , معتزّاً بثوابته في الوقت نفسه ..
ليس مدينة فاضلة ! ليس عالماً افتراضياً ! .. فقط نموذج شائع معبر عن قيم الإسلام ..
في عالمٍ كهذا .. سيتمنى الناس لو أنّهم كانوا مسلمين ؛ عندها سيكون إسلامهم بسبب المسلمين .. بسبب إسلامنا .. و ليس كما يحصل اليوم ..
و اسمح لي أن أحلم يا صديق ..
بأن نساهم في تغيير هذه الصورة ..
لا
لا أقصد الفوتوشوب
لا أقصد أن نُجَمّل الصورة الحالية , أن نزيفها , أن نرممها , أن نحذف السلبيات .. لا أقصد هذا التغيير ..
أقصد التغيير الذي يسبق التقاط الصورة !
التغيير الحقيقي .. تغيير النموذج الشائع ..
التغيير الذي يعيدنا إلى الصدارة ..
اسمح لي أن حلم يا صديق ..
لكن لا تسمح لي أن يكون الحلم .. هو كل ما أفعله !

الاثنين، 7 سبتمبر 2015

برنامج #لا_نأسف_على_الإزعاج | الحلقة الرابعة


برنامج #لا_نأسف_على_الإزعاج
دكتور #أحمد_خيري_العُمَري
*الحلقة الرابعة :-
عنوان الحلقة : ‫#‏حدّوتَة_عُمَريّة‬
.
.
لِكُلٍّ منّا نظام تشغيل خاص به , نعمل من خلاله حتّى لو كنّا نجهل ذلك !
نظام تشغيل ؛ نفكّر من خلاله , نرى العالم من خلاله , نتصرّف من خلاله , نقوم بردود أفعالنا من خلاله , نخطّط لمستقبلنا أو لا نخطّط , من خلاله ..
من أينَ يأتي نظام التّشغيل هذا ؟
غالباً يأتي من مجتمعاتنا ؛ من الأمثال الشّعبية , من القيم التي نتربّى عليها و تشكّل رؤيتنا للحياة ..
و يلعب الوالدان و الظروف الشخصية المحيطة بكل شخص دوراً في تحوير نظام التشغيل هذا , و جعل بعض أجزاءه تعمل أكثر أو تعمل أقل ..
يمنح القرآن لأولئك الذين يلتحمون به و بأعمق معانيه ؛ نظام تشغيل قرآني !
نظام تشغيل يجعلهم يفكّرون بطريقة مختلفة ..
يمنح القرآن لأولئك طريقة في التفكير , في ترتيب الأشياء , في تصنيف الأشياء , في إعادة الأولويات ..
يجعلهم في موضع المسؤوليّة في العالم بحيث يتصدّون لحل مشاكل هذا العالم ..
كان يمكن لكل هذا الكلام أن يكون كلاماً إنشائياً جميلاً لا دليل عليه .. لكنّ السيرة النبوية احتفظت لنا بين ثناياها بـ حدّوتة مهمة , بحكاية تثبت لنا أنّ نظام التشغيل القرآني هذا حقيقة عملية قابلة للتطبيق العملي !
نظام التشغيل القرآني في هذه الحدوتة المهمة يثبت لنا أنّه يمكن أن يجعل البشر يَبدُون خارقين رغم أنّهم بشريّون تماماً !
و ذلك عبر أثرهم الخارق في العالم !
نظام التشغيل القرآني يجعل البشر يدخلون التاريخ و يغيّرونه !
- كان رجلاً عاديّاً من رجالات مكّة في جاهليّتها , كان صلباً متشبّثاً بما يعتقد أنّه الحق ..
" صلابته على ما يعتقد أنّه الحق كانت ميزته الأهم "
لكن فلننتبه .. هذا يمكن أن يكون إيجابياً جداً .. و يمكن أن يكون سلبياً جداً ؛ على حسب " ما يعتقد أنّه الحق " ..
أسلَمَ هذا الرّجل .. و لأنّ ميزته الأهم كانت هي تلك الصلابة و الثبات ؛ فقد التَحَمَ بمعاني القرآن !
و عندما مسّهُ القرآن فقد قام بتفعيل نظام التشغيل القرآني الخاص به ..
نتحدّث إن لم تكونوا قد عرفتم بعد ؛ عن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- ..
الفاروق عمر .. ربّما سُمِّيَ بالفاروق لأنه الفارق بين نظام التّشغيل القرآني و أنظمة التشغيل الأخرى !
لم يقم أحد بأخذ صورة أشعّة مقطعية لدماغ عمر بن الخطاب لاكتشاف نظام التشغيل القرآني , كما لم يقم أحد بتحليل دماغه أو أنسجته لمعرفة ذلك !
كان الأمر أبسط من ذلك و أقل تعقيداً و دون الحاجة إلى أي تقنيات معقدة ..
كان ذلك من خلال حوادث حصلت في حياة الرسول –صلى الله عليه و سلم- و أثناء نزول القرآن الكريم ..
حوادث صارت تُعرف بِـ "موافقات عمر بن الخطاب للقرآن الكريم " ..
ما المقصود بِـ "موافقات عمر بن الخطاب للقرآن الكريم " ؟
في أحيان كثيرة كان عُمَر يذهب للرسول –صلى الله عليه و سلم- ليقول ما يراه صواباً في أمرٍ عام ..
أحياناً بطلبٍ من الرسول الكريم ؛ كما هي العادة في استشارة الصحابة , و أحياناً دون طلب ..
يذهب عُمَر ليقول رأيه في أمرٍ ربّما كان مخالفاً لما يراه الرسول - صلى الله عليه و سلم- و بقيّة الصحابة ..
ثمّ يأتي وحي السماء بآيات قرآنية صريحة توافق رأي عُمَر .. الذي كان لحظة قاله بعيداً عن الأخذ به !
كيف تمكّن عُمَر من ذلك ؟
هل كانت لديهِ مجسّات استشعار مثلاً ؟ هل كان يمتلك راداراً ؟
لا , الأمر أبسط من ذلك ؛ لقد قام عُمَر بتفعيل نظام التشغيل القرآني .. أصبح يفكر مثل القرآن ..
لكن .. قد يقول قائل : أَلَمْ يكن من الأجدر أن يظهر نظام التشغيل القرآني هنا على ما يراه الرسول - صلى الله عليه و سلم- ؟
لقد شاءت الحكمة الإلهية أن يظهر نظام التشغيل هذا على غير الرسول الكريم - صلى الله عليه و سلم- ..
كما لو أنّ الحكمة تقول لنا : الوحي سينقطع ذات يوم .. لكن نظام التشغيل القرآني لن ينقطع أبداً !
- الموافقات العُمَريّة متعددة ؛ و البعض منها حددها عُمَر بنفسه و قام بتصنيفها في حديث صحيح معروف , و البعض منها ذُكِر في علم أسباب النّزول ..
أمّا الموافقات التي حددها عُمَر في الحديث الصحيح فهي : 1- اتّخاذ مقام النبي ابراهيم مُصلّى , 2- آيات الطّلاق , 3- حجاب زوجات النّبي - صلى الله عليه و سلم- ..
يتحدث كثيرون عن مخاوف من العقل , مخاوف من ترك العنان له , عن المشاكل بين تقديم العقل على النصّ الديني ..
كل هذا يمكن أن يكون صحيحاً عندما يعمل هذا العقل بمنظومة تشغيل مختلفة ؛ بمنظومة تشغيل قادمة من منظومة حضارية أخرى ..
و لكن عندما يعمل العقل بنظام التشغيل القرآني فلا داعي لهذه المخاوف .. على العكس : لا يمكن فهم النص القرآني بطريقة صحيحة و فاعلة إلا من خلال عقل يعمل بنظام التشغيل القرآني !
- النتيجة : أنّ الموافقات العمرية تثبت لنا أن العقل البشري عندما يلتزم بنظام التشغيل القرآني يمكن له أن يبدع إلى أقصى حدود الإبداع !
و يوم استلم عُمَر الخلافة , جعل نظام التشغيل القرآني يعمل على نطاق واسع ..
نقرأ في سجل منجزاته الضخم أنّه كان أول من قام بكل الأشياء التالية : أول من وضع حصة تموينية لكل فرد , أول من مهّد الطرق بين المدن , أول من وضع الحرس الليلي , أول من جعل هناك ضمان على الحِرَف اليدوية , أول من أمر بالتعليم الإلزامي المجاني , أول من جعل نفقة اللقيط من بيت مال المسلمين , أول من جعل هناك موظفين يهتمون بذوي الاحتياجات الخاصة , أول من منع المسئولين من ركوب ما يميزهم عن غيرهم , أول من جعل امرأة في منصب وزير ... و هناك الكثير من الإنجازات التي لا تكفيها حلقة أو حلقات ..
لو كان هناك نظام لجوء في عهد عُمَر لرأينا الناس من كل قارات العالم يذهبون لِ اللجوء في دولة عُمَر !
و أنتَ يا صديق ..
ما هو نظام تشغيلك ؟
هل هناك نظام تشغيل لديك أصلاً ؟
أم هو مجرد هذا الخوض مع الخائضين ؛ أن تفعل كما يفعل أصحابك , أن تعيش حياتك بلا هدف , غير هدف الـ " لا شيء " .. يوماً بعد آخر .. ليلة بعد أخرى ..
أم لعل هناك نظام تشغيل فعّال فعلاً و لكنه قادم من منظومة حضارية أخرى ..
أنت تستحق شيئاً أفضل من هذا يا صديق !
أفضل من الهدر و الخوض مع الخائضين و من نظام التشغيل القادم من منظومة حضارية أخرى ..
في داخلك .. يوجد معدن نبيل .. أعرف ذلك و لا أجاملك : لقد خبرته !
ثمة معدن نبيل بحاجة لنظام تشغيل !
ثمة حدوتة شخصية عنك !
تستحق أن تُروَى للأطفال قبل النوم ..
حدوتة شخصية عنك أنتَ بالذّات !
تنتظركَ ..
لا تخذلها ..
يا صديق !

الأحد، 6 سبتمبر 2015

برنامج #لا_نأسف_على_الإزعاج | الحلقة الثالثة

برنامج #لا_نأسف_على_الإزعاج
دكتور #أحمد_خيري_العُمَري

*الحلقة الثالثة :-
عنوان الحلقة : ‫#‏الصورة_غير_الصالحة_للعبد_الصالح‬
.
.
العبد الصالح ..
فلنغمض أعيُننا .. و لنحاول أن نتخيل ما توحيه هذه الكلمة لنا ..
فلنحاول أن نتخيل الصورة الذهنيّة المرتبطة بالعبد الصالح ..
دون تفكير طويل .. فقط ما يأتي تلقائيّاً في بالنا ..
غالباً سنتخيّله و هو في الطريق إلى المسجد يرتدي لباس تقليدي بسيط و يحمل مسبحة في يده .. يسير محنيَّ الرأس و الظَهر لا نعرف بالضبط هل هذا بسبب غض البصر أم شيء آخر , يتمتم بتسبيحات و أذكار و يسير جنب الحائط ..
كما نقول في اللغة اليومية الدارجة : تفادياً للمشاكل يسير "ملتصقاً بالحائط" ..
هذه هي صورة العبد الصالح في أذهاننا !
فلنتخيل الآن لو أن هذا العبد الصالح الذي في أذهاننا قد تعرّضَ لمشكلة ما من تلك المشاكل التي نصادفها جميعاً في حياتنا اليومية كأن يكون أحدهم قد تجاوز على حقٍّ له ..
فلنتخيّل أنّ لديه أقارب تجاوزوا على حقّه في الإرث .. ما الذي سيفعله هذا العبد الصالح الذي في أذهاننا ؟
(العبد الصالح ! .. سيتنازل عن حقّه طبعاً , هو لا يريد شيئاً من الدنيا و أوساخها ) << هذا هو العبد الصالح الذي في أذهاننا ! .. و هكذا سنقول !
لكن ..
فلنترك الآن القرآن يفتح أعيُننا على الصورة الحقيقية للعبد الصالح ..
" وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ "
العبد الصالح الذي في خيالنا قد يتنازل عن إرثٍ له .. أما العبد الصالح الحقيقي في القرآن فهو لا يتنازل عن إرثه , و إرثه هو الأرض كلّها !
هكذا تقول الآية التي أشرنا إليها ..
الأرض يرثها عباد الله الصالحون .. الأرض كلّها ..
هل العبد الصالح الذي في أذهاننا , الذي تخيّلناه قبل قليل ؛ مناسب لهذا الدّور –دور إرث الأرض- ؟
بالتّأكيد لا .. ثمّة خلل كبير في مفاهيمنا عن العبد الصالح ..
فلننتبه الآن ..
إلى أنّ الآية التي تلي هذه الآية بالضبط تقول : " إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ " ..
الله عزّ و جلّ و هو الأعرف بخلقه يعلم أنّ هناك من سيجعل العبادة كما لو كانت مناقضة لإرث الأرض ..
هناك من سيجعل العبادة تلهيه عن دوره في إرث الأرض ..
الآية تُقدّم بلاغاً رسميّاً إلى السادة العابدين : إن كانت عبادتكم تلهيكم عن إرث الأرض , فاعلموا أنّكم قد فهمتم العبادة على نحو خاطئ ..
إن لم تجعلكم عبادتكم تساهمون في إعمار الأرض , في إرثها على الأقل ..
و لم تساعدكم في حثّكم على ذلك أو في تحفيزكم عليه .. فاعلموا أنّ فهمكم للعبادة فيه مشكلة !
حتّى لو قضيتم الليل في القيام و النّهار في الصيام !
بلاغ .. " العبادة يجب أن تساهم في إرث الأرض "..
لكن .. ما هو إرث الأرض أصلاً ؟
أغلبنا سيتخيّل شيئاً يتعلّق بالحيازة العسكرية و بالسيطرة على الأرض ؛ كما لو أنّ إرث الأرض هو أن تحرق الأرض لتسيطر عليها !
على الإطلاق ..
لكن ماذا يعني أن تكون وارثاً للأرض ؟
هل يعني أن تشنّ الحروب على الأرض كلها ؟ .. هل يعني أنّ عليك أن تحرق الأرض لكي تسيطر عليها ؟
أغلبنا سيتخيّل شيئاً له علاقة بأفلام الـ " action" فيما يتعلّق بإرث الأرض .. لكن الأمر في الحقيقة أبسط من هذا بكثير ..
لديك إرث .. كي تُثبتْ بأنّك مؤهَّل له .. عليكَ أن تعمّره , تجعله يُثمر , يزدهر , ينمو !
إرث الأرض ؛ هو إعمار الأرض , و ليس حرقها .. و ليس جعلها مكاناً أسوأ ! .. إرث الأرض هو أن تجعلها مكاناً أفضل للعيش .. بكل بساطة ..
فلنتذكّر حديث "الفسيلة" .. قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا قامت القيامة و في يد أحدكم فسيلة .. فليغرسها ! )
إذا قامت القيامة ! في تصوّراتنا الذهنية .. أنّه إذا قامت القيامة أو ظهرت أي علامة من علامتها .. علينا أنّ نذهب بسرعة لنصلي أو نؤدّي أي شيء من الشعائر ..
عليه الصلاة و السلام يقول : اغرس الفسيلة , حتّى الرمق الأخير !
طبعاً .. عليك أن تكون قد صلّيت .. هذا أمر منتهِ ..
و لكن .. الفسيلة .. دور العبد الصالح في إرث الأرض : هو الفسيلة !
لكي تكون عبداً صالحاً عليك أن تكون مُنتِجاً !
لا أن يكون تاريخ صلاحيّتك انتهى منذ قرون ..
و ليس بالصدفة أبداً .. أن نقول في التحيّات في نهاية الصلاة : السّلام علينا و على عباد الله " الصالحين " !
نحن في العبادة في الجزء الشّعائري من العبادة ؛ في نهايتها !
و هذا الجزء يذكّرنا بجزء آخر من العبادة سنقوم به بعد قليل ..
نُسلّم على العباد الصالحين الذين قال لنا القرآن : أنّهم يرثون الأرض , كما لو أنّ هذا يذكّرنا بدورنا بعد الصلاة مباشرةً أن نلتحق بالعباد الصالحين في إرث الأرض ..
هذا هو الدّور الحقيقي للشعائر ؛ الـ" Dynamo " الذي يجعلنا نقوم بدورنا في الأرض ..
في هذا العالم الذي يبدو مزدحماً بالخيارات .. هناك أحياناً أشياء فيها خيارات قليلة جداً ..
الخيارات الحقيقية قليلة جداً !
أحياناً تُختَزل لتصبح خيارَين فقط ! .. لديك خيار أن تكون عبداً صالحاً أو أن تكون عبداً غير صالح ..
في كل الأحوال نحن عبيد .. في كل الأحوال ..
العبوديات كثيرة .. ممكن أن تكون عبداً لله , ممكن أن تكون عبداً لنفسك , لنمط حياة , لـِ أيدولوجيّة !
في كل الأحوال نحن عبيد .. و الحريّة الوحيدة الحقيقية ؛ هي حريّة اختيارك لعبوديّتك !
حتّى هذا الخيار يا صديق .. لا يُنهي الموضوع !
يمكن أن تنزلق للصورة غير الصالحة للعبد الصالح , و يمكن أيضاً أن تذهب إلى آية القرآن .. إلى الصورة القرآنيّة ؛ العبد الصالح الذي يُصلح الأرض !
تقول : الأمر صعب ؟
نعم ..
صعب ..
لكنّه ليس مستحيلاً ..

برنامج #لا_نأسف_على_الإزعاج | الحلقة الثانية

برنامج #لا_نأسف_على_الإزعاج
دكتور #أحمد_خيري_العُمَري

*الحلقة الثانية :-
عنوان الحلقة : ‫#‏لا_يزال_الإعجاز_مستمراً‬
.
.
هناك كتاب ..
ربّما على الرَفِّ يعلوه الغبار , ربّما على الجدار مُعلَّق بإطارٍ و مسمار , ربّما على صدرٍ شبع عارٍ , ربّما أمام مِقود السيارة وُضِعَ للحرز و الحماية ..
هذا الكتاب .. كان يجب أن يكون في أماكن أخرى غير هذه ..
كان يجب أن يكون في عقولنا , في تلافيف أدمغتنا , في قلوبنا , في شراييننا و أوردتنا , في كريات دمنا البِيضِ و الحُمر , في جهازنا المناعيّ , في نخاع العظم مِنّا ..
تُهنَا عن هذا الكتاب .. فتُهنَا عن أنفسنا ؛ عن كل ما يجب أن نَكُونَهُ ..
لكي نعيد اكتشاف هذا الكتاب .. علينا أن نعيد اكتشاف أنفسنا ..
سيجعلك هذا الكتاب تكتشف قارّة جديدة في داخلك ؛ قارّة جديدة بكل مواردها و خيراتها لَم تُكتَشف من قبل ! لَم يطئها مخلوقٌ من قبل !
فقط عندما يحدث هذا ؛ ستكتشف المعجزة الحقيقية في هذا الكتاب " القرآن الكريم " ..
عندما نتحدّث عن المعجزات سنتذكّر حتماً معجزات السيّد المسيح مثلاً : إحياء الموتى , شفاء الأكمه و الأبرص .. سنتذكّر أيضاً معجزة سيدنا موسى : يده التي خرجت بيضاء , العصا التي انقلبت إلى حيّة و التي شقّت البحر ..
ثمّ سيسألون : و ما هي معجزة محمّد عليه الصلاة و السلام ؟
سنقول صادقين : القرآن الكريم ..
منذ اللحظة الأولى .. لا يمكن أن نضع معجزات بقيّة الأنبياء والرّسل في صنف واحد أو خانة واحدة مع القرآن الكريم ..
ثمّة شيء مختلف واضح في الطبيعة , نعم .. كلها منه عزّ و جل وكلها بمشيئته و كلها تؤدي نفس الدّور ..
لكن ثمّة شيء مختلف في الطبيعة ؛ لا يمكن تجاهل أو إنكار ذلك ..
كل معجزات الأنبياء السابقين , يمكن أن توصف بأنّها كانت مرئيّة رأي العين ؛ يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة .. و كان هذا بالضبط هو طريقها إلى الإعجاز ..
بعبارة أخرى .. لو أنّ ميّت سيدنا عيسى لَم يَعُد إلى الحياة أمام أعين النّاس و يرونه و هو يقوم من الموت , لما تحقق للمعجزة أثرها الإعجازيّ .. و كذلك شفاء الأكمه و الأبرص , و كذلك يد سيدنا موسى و عصاهُ ..
لو أنّ كل هذه المعجزات لَم تُرَ رأي العين .. لما كانت ذُكِرَت أصلاً !
على العكس كانت كل هذه المعجزات تُرَى و كانت رؤية الكافرين لهذه المعجزات هي ما تجعلهم يؤمنون ..
بعبارة أخرى : كانت هذه المعجزات ذات طبيعة حسيّة ماديّة مباشرة مرئيّة رأي العين ..
معجزة القرآن الكريم كانت مختلفة !
لم تكن مرئيّة ..
لا تنسوا ...
بعض الأشعّة لا تُرى .. و لكنّها قد تقتُل !
وفي حالة القرآن .. فإنّها قد تُحيي أيضاً !
لكن ما هو هدف المعجزة ؟
هدف المعجزة هو جعل النّاس يؤمنون برسالة صاحب المعجزة و بدعوته إلى الإيمان بالله عزّ و جلّ ..
كيف يتحقق هذا الهدف ؟
يتحقّق عبر مثلث متساوي الأضلاع .. و أضلاع المثلث هي : 1- التحدّي , 2- الإعجاز , 3- الانقياد ..
التّحدّي : هو الفعل الخارق للحس , الذي يقوم به صاحب المعجزة .. مثل إحياء الموتى أو شفاء الأكمه و الأبرص ..
الإعجاز : هو شعور المتلقّي بعجزه عن الفهم تجاه ما حدث .. هذا الميّت , كنّا على وشك دفنه و ها هو يعود إلى الحياة .. هذه الخشبة مجرد خشبة و ها هي حيّة تسعى ..
يشعر المتلقّي هنا بعجز عقله عن الفهم فيقرر أنّ صاحب المعجزة مؤيّدٌ من الله و أنّ ما يقوله صواب ..
الانقياد : هو الضلع الثالث .. التّحصيل الحاصل .. سينقاد المتلقي لصاحب المعجزة .. وهذا هو هدف المعجزة أصلاً .
مع القرآن .. تتّخذ المعجزة طريقاً مختلفاً !
فَبدلاً من إعجاز العقل و الذي كان مصاحباً لمعجزات بقيّة الأنبياء و الذي كان ضرورياً في مرحلة مبكّرة من تاريخ البشرية ومن طفولة العقل البشريّ ..
بدلاً من هذا الإعجاز .. هناك الآن ؛ استفزاز للعقل !
لا إيقاف للعقل هنا من أجل الإنقياد .. على العكس .. معجزة القرآن تتطلب إعمال العقل , تتطلب قيامته ؛ أن يقوم من نومه ليقوم بدوره !
يضرب القرآن عقلك كما لو بصاعقة تعيد له الحياة ! .. كما لو بِرَجَّةٍ كهربائية تعيد له دَقَّاته! .. يقوم القرآن بِهَزِّكَ بعنف ..
فَكّرْ , تأمَّلْ , ابحثْ , واجه حقيقة مشاكلك , و ابحث لها عن حلول ..
يأخذك القرآن من تلابيبكَ .. يقول لكَ : فوق هذه الرَّقبَة ما يستحق أن يعمل !
فلنتذكّر أنّ هذا الدين هو الدين الخاتم .. و كان يجب لمعجزته أن تكون مختلفة , هذا الدين هو فرصة البشرية الأخيرة .. و كان يجب لمعجزته أن تحمل طابع الاستمرار و أن تحمل رسالته ..
ما كان يمكن لمعجزة الدين الخاتم أن ترتبط بشيء يُرى و يُحَسُّ في زمن ما , ما كان يمكن لمعجزة الدين الخاتم أن ترتبط بفعل خارق للحسِّ أو العقل ..
لقد جاءت المعجزة في زمن بلغت فيه البشرية سنَّ الرشد .. آنَ للمعجزة الأخيرة أن ترتبط بالعقل ..
تختلف المعجزة القرآنية أيضاً في أنّها تجعل المتلقي جزءاً منها ..
كل المعجزات السابقة تجعل المتلقي ينقاد فحسب ..
المعجزة القرآنية تجعل المتلقي طرفاً فاعلاً فيها ؛ جزءاً فاعلاً فيها ..
يخترقه القرآن فيغيّره فيصبح إنساناً آخر .. و يكون هذا التغيُّر هو المعجزة !
لقد كان ميّتاً مثل ميّت سيدنا عيسى و إن تنفّس , كان مَثله مثل الخشبة في عدم تأثيره في الحياة ..
ثمّ يأتِ القرآن ليغيره .. فتدبُّ فيه الحياة .. فيصبح شخصاً فاعلاً متفاعلاً صانعاً للحياة .. يصبح شجرة مثقلة بالثّمار بعد أن كان مجرّد خشبة ..
القرآن معجزته معادلة من طرفين ؛ أحد طرفيها هو : أنتَ !
فما الذي فعلناه بتلك القفزة الهائلة ؟ .. و ما الذي فعلناه بالقرآن الذي حقّقَ هذه القفزة؟
أخشى أن أقول أنّنا حقّقنا أكبر تدهور ! و أنّنا عاملنا القرآن كما لو كان معجزة حسيّة و نسينا جوهر المعجزة : التّغيير !
وضعناه خلف "فترينا" , علّقناه على الجدار , بنينا بيننا و بينه ألف جدار و جدار , قلنا : ممنوع اللمس !
و هو قد نَزَل ليخترقنا لا ليلمسنا فقط !
تعرفون ماذا فعلنا بالقرآن ... و تعرفون ماذا حدث لنا ...
و أنتَ يا صديق ..
هل تركت له الباب مفتوحاً لكي يدخل إليك ؟
هل تركت له مجالاً لكي يتسلل إلى قلبك فيُحدث ربّما الطّوفان أو ربّما الزّلزال ؟
هل تركتَ له الفرصة و أنتَ في لهوكَ .. و أنتَ في المقهى , و أنتَ في خوض الخائضين مع أصحابك ؟
هل تركت له الفرصة لكي يقوم بتغييرك ؟
تغييرك الذي لا يعني أن تترك لهوك و أصحابك .. لكنّ أولوياتك ستتغيّر فحسب !
هل تعرف أيّ شيء يمكن أن يفعله فيكَ ؟ أم أنّ هذا لم يأتِ أصلاً ببالكَ !
هل علاقتك فيه هي الختمة فحسب ؟
أم أنّ هذا أصلاً غير موجود !
هناك فرصة ..
هناك معجزة تنتظر دورك فيها ..
هناك معادلة تنتظر طرفها لكي يتحرك ..
هناك أنت !
تَحَرَّكْ !
عليه الصلاة و السلام .. أوصل الأمانة ؛ القرآن ..
الباقي عليكَ ..
لا
الباقي علينا جميعاً .. و عليكم ..